أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

306

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقيل : الإشراب هنا حقيقة لأنه يروى أن موسى - عليه السّلام - برد العجل بالمبرد ، ثم جعل تلك البرادة في ماء وأمرهم بشربه ، فمن كان يحب العجل ظهرت البرادة على شفتيه ، وهذا وإن كان قال به السدي « 1 » وابن جريج « 2 » وغيرهما فيرده قوله : « في قلوبهم » . قوله : بِكُفْرِهِمْ فيه وجهان : أظهرهما : أنها للسببية متعلقة ب « أشربوا » أي : أشربوا بسبب كفرهم السابق . والثاني : أنها بمعنى « مع » يعنون بذلك أنها للحال وصاحبها في الحقيقة ذلك المضاف المحذوف أي : أشربوا حب عبادة العجل مختلطا بكفرهم . والمصدر مضاف للفاعل أي : بأن كفروا . قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ كقوله : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا « 3 » فليلتفت إليه . قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يجوز فيها الوجهان السابقان من كونها نافية وشرطية ، وجوابها محذوف تقديره : « فبئسما يأمركم » وقيل : تقديره : فلا تقتلوا أنبياء اللّه ولا تكذبوا الرسل ، ولا تكتموا الحق ، وأسند الإيمان إليهم تهكما بهم ، ولا حاجة إلى حذف صفة أي : إيمانكم الباطل ، أو حذف مضاف أي : صاحب إيمانكم . وقرأ الحسن : « يهو إيمانكم » بضم الهاء مع الواو ، وقد تقدم أنها الأصل . قوله تعالى : إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً شرط جوابه : « فتمنوا » و « الدار » اسم كان وهي الجنة . والأولى أن يقدر حذف مضاف أي : نعيم الدار ، لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين ، واختلفوا في خبر « كان » على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه « خالصة » فتكون « عند » ظرفا ل « خالصة » أو للاستقرار الذي في « لكم » ويجوز أن تكون حالا من « الدار » والعامل فيه « كان » أو الاستقرار . وأما « لكم » فيتعلق ب « كان » لأنها تعمل في الظرف وشبهه . قال أبو البقاء : « ويجوز أن تكون للتبيين فيكون موضعها بعد « خالصة » أي خالصة لكم ، فتتعلق بنفس « خالصة » وهذا فيه نظر ؛ لأنه متى كانت للبيان تعلقت بمحذوف تقديره : أعني لكم نحو : سقيا لك تقديره : أعني بهذا الدعاء لك . وقد صرح غيره في هذا الموضع بأنها للبيان ، وأنها متعلقة حينئذ بمحذوف كما ذكرت . ويجوز أن يكون صفة ل « خالصة » في الأصل قدم عليها ، فصار حالا منها فيتعلق بمحذوف . الثاني : أن الخبر « لكم » فيتعلق بمحذوف ، وينصب « خالصة » حينئذ على الحال والعامل فيها : إما « كان » أو الاستقرار في « لكم » و « عند » منصوب بالاستقرار أيضا . الثالث : أن الخبر هو الظرف و « خالصة » حال أيضا ، والعامل فيها : إما « كان » أو الاستقرار ، وكذلك « لكم » وقد منع من هذا الوجه قوم فقالوا « 4 » : « لا يجوز أن يكون الظرف خبرا ، لأن الكلام لا يستقل به » . وجوز ذلك المهدوي وابن عطية وأبو البقاء . واستشعر أبو البقاء هذا الإشكال وأجاب عنه فإنه قال : « وسوغ أن يكون « عند » خبر

--> ( 1 ) محمد بن مروان الكوفي يكنى أبا عبد الرحمن سمع التفسير من الكلبي المفسر انظر غاية النهاية ( 2 / 261 ) . ( 2 ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد وأبو خالد فقيه الحرم المكي وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة توفي سنة 150 ه تذكرة الحفاظ ( 1 / 60 ) ، تاريخ بغداد ( 10 / 400 ) ، الأعلام ( 4 / 160 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 90 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 310 ) .